فخر الدين الرازي
109
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
اعلم أنه لا بد للقسم من جواب ، واختلفوا فيه على وجوه أحدها : ما ذكره الأخفش وهو أن جواب القسم قوله : قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ واللام مضمرة فيه ، كما قال : وَالشَّمْسِ وَضُحاها [ الشمس : 1 ] قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [ الشمس : 9 ] يريد . لقد أفلح ، قال : وإن شئت على التقديم كأنه قيل : قتل أصحاب الأخدود والسماء ذات البروج وثانيها : ما ذكره الزجاج ، وهو أن جواب القسم : إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [ البروج : 12 ] وهو قول ابن مسعود وقتادة وثالثها : أن جواب القسم قوله : إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا [ البروج : 10 ] الآية كما تقول : واللّه إن زيدا لقائم ، إلا أنه اعترض بين القسم وجوابه ، قوله : قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ إلى قوله : إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا [ البروج : 4 - 10 ] ورابعها : ما ذكره جماعة من المتقدمين أن جواب القسم محذوف ، وهذا اختيار صاحب « الكشاف » إلا أن المتقدمين ، قالوا : ذلك المحذوف هو أن الأمر حق في الجزاء على الأعمال وقال صاحب « الكشاف » : جواب القسم هو الذي يدل عليه قوله : قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ كأنه قيل : أقسم بهذه الأشياء ، أن كفار قريش ملعونون كما لعن أصحاب الأخدود ، وذلك لأن السورة وردت في تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على أذى أهل مكة وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب على الإيمان حتى يقتدوا بهم ويصبروا على أذى قومهم ، ويعلموا أن كفار مكة عند اللّه بمنزلة أولئك الذين كانوا في الأمم السالفة يحرقون أهل الإيمان بالنار ، وأحقاء بأن يقال فيهم : قتلت قريش كما : قتل أصحاب الأخدود أما قوله تعالى : قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ ففيه مسائل : المسألة الأولى : ذكروا قصة أصحاب الأخدود على طرق متباينة ونحن نذكر منها ثلاثة : أحدها : أنه كان لبعض الملوك ساحر ، فلما كبر ضم إليه غلام ليعلمه السحر ، وكان في طريق الغلام راهب ، فمال قلب الغلام إلى ذلك الراهب ثم رأى الغلام في طريقه ذات يوم حية قد حبست الناس فأخذ حجرا ، وقال : اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فقوني على قتلها بواسطة رمي الحجر إليها ، ثم رمى فقتلها ، فصار ذلك سببا لإعراض الغلام عن السحر واشتغاله بطريقة الراهب ، ثم صار إلى حيث يبرئ الأكمه والأبرص ويشفي من الأدواء ، فاتفق أن عمي جليس للملك فأبرأه فلما رآه الملك قال : من رد عليك نظرك ؟ فقال ربي فغضب فعذبه فدل على الغلام فعذبه فدل على الراهب فأحضر الراهب وزجره عن دينه فلم يقبل الراهب قوله فقد بالمنشار ، ثم أتوا بالغلام إلى جبل ليطرح من ذروته فدعا اللّه ، فرجف بالقوم فهلكوا ونجا ، فذهبوا به إلى سفينة لججوا بها ليغرقوه ، فدعا اللّه فانكفأت بهم السفينة فغرقوا ونجا ، فقال للملك : لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد وتصلبني على جذع وتأخذ سهما من كنانتي ، وتقول : بسم اللّه رب الغلام ثم ترميني به ، فرماه فوقع في صدغه فوضع يده عليه ومات ، فقال الناس : آمنا برب الغلام . فقيل للملك : نزل بك ما كنت تحذر ، فأمر بأخاديد في أفواه السكك ، وأو قدت فيها النيران ، فمن لم يرجع منهم طرحه فيها ، حتى جاءت امرأة معها صبي فتقاعست أن تقع فيها فقال الصبي : يا أماه اصبري فإنك على الحق ، فصبرت على ذلك . الرواية الثانية : روي عن علي عليه السلام أنهم حين اختلفوا في أحكام المجوس قال : هم أهل الكتاب